سيد محمد طنطاوي
556
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
المصاحبة . . كأنه قد نسي كل ذلك أمام المشاهدة العملية ، وأمام التصرف الغريب الذي صدر من الخضر دون أن يعرف له سببا . وهكذا الطبيعة البشرية تلتقي في أنها تجد للتجربة العملية وقعا وطعما ، يختلف عن الوقع والطعم الذي تجده عند التصور النظري . فموسى - عليه السلام - وعد الخضر بأنه سيصبر . . . إلا أنه بعد أن شاهد مالا يرضيه اندفع مستنكرا . أما الحادث الثاني الذي لم يستطع موسى أن يقف أمامه صامتا ، فقد حكاه القرآن في قوله : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 74 إلى 76 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَه قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ( 74 ) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 75 ) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ( 76 ) أي : فانطلق موسى والخضر للمرة الثانية بعد خروجهما من السفينة ، وبعد أن قبل الخضر اعتذار موسى . * ( حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً ) * في طريقهما ، ما كان من الخضر إلا أن أخذه * ( فَقَتَلَه ) * . وهنا لم يستطع موسى - عليه السلام - أن يصبر على ما رأى ، أو أن يكظم غيظه ، فقال باستنكار وغضب : * ( أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً ) * أي : طاهرة بريئة من الذنوب * ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) * . أي : بغير أن ترتكب ما يوجب قتلها ، لأنها لم تقتل غيرها حتى تقتص منها . أي : أن قتلك لهذا الغلام كان بغير حق . * ( لَقَدْ جِئْتَ ) * أيها الرجل « شيئا نكرا » أي : منكرا عظيما . يقال . نكر الأمر ، أي : صعب واشتد . والمقصود : لقد جئت شيئا أشد من الأول في فظاعته واستنكار العقول له . ومرة أخرى يذكره الخضر بالشرط الذي اشترطه عليه . وبالوعد الذي قطعه على نفسه ، فيقول له : * ( أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) * .